صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
333
تفسير القرآن الكريم
يَهْتَدُونَ [ 5 / 104 ] وقال سبحانه : وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ 43 / 23 - 25 ] . فما أسخف عقلهم حيث تركوا ذكر اللّه ومعارف الحقائق خوفا من اتّضاع قدرهم عند الجهلة ، فرجح عندهم ارتفاع الشأن عند الناقصين من العباد على علوّ المنزلة عند اللّه ومجاورة الملائكة المقربين ، فتّبا لجاههم الحقير وسحقا لحظهم اليسير ، أما تلوا قوله سبحانه : وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ * وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [ 43 / 35 - 37 ] . ومنها ما ضرب اللّه لهم مثلا بقوله : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ 2 / 171 ] هذه الحالة لهم أيضا قريبة المأخذ من الحالة السابقة ، والغرض أنهم لا يزالون يتّبعون ويحدّثون ظواهر الألفاظ ولا يرون بواطن المعاني والحقائق ، ولم يعلموا بعد - مع أنهم سمعوا مرارا - أن امتياز الإنسان عن سائر الحيوانات باستنباط الحقائق والمعارف ، لا تتّبع الألفاظ وتصحيح العبارات من غير ارتقاء عن مضيق المحسوسات ومحبس الحيوانات وإصطبل الدّوابّ إلى فسحة الأنوار الإلهيّة وعالم المعارف العقلية الإلهامية ومستوكر الطيور السماوية . فهم أبدا واقفون في عالم الألفاظ والصور ولن يقصدوا إلى معرفة النفس وما فوقها ، ولا إلى إصلاح القلب الذي هو محل النطق الباطني الذي يخصّ به الإنسان من سائر الحيوانات ، وهو منبع المكاشفات والمكالمات مع الحق